صديق الحسيني القنوجي البخاري

161

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَقِيلَ لهم توبيخا وتقريعا هذَا المشاهد الحاضر من العذاب هو العذاب الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ في الدنيا أي تطلبونه وتستعجلون به استهزاء ، على أن معنى تدعون الدعاء قال الفراء : تدعون تفتعلون من الدعاء أي تتمنون وتسألون ، وبهذا قال الأكثر من المفسرين ، وقال الزجاج : تدعون الأباطيل والأحاديث . وقيل معنى تدعون تكذبون ، هذا على قراءة الجمهور تدعون بالتشديد فهو إما من الدعاء كما قال الأكثر أو من الدعوى كما قال الزجاج ومن وافقه . والمعنى أنهم كانوا يدعون أنه لا بعث ولا حشر ولا جنة ولا نار ، وقرىء تدعون مخففا ومعناها ظاهر وهي مؤيدة للقول بأنها من الدعاء ، قال قتادة : هو قولهم : رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا [ ص : 38 ] وقال الضحاك : هو قولهم : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [ الأنفال : 32 ] الآية ، قال النحاس تدّعون وتدعون بمعنى واحد كما تقول قدر واقتدر ، وغدى واغتدى ، إلا أن افتعل معناه مضى شيئا بعد شيء وفعل يقع على القليل والكثير . قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ بموت أو قتل كقوله وإن امرؤ هلك أو بالعذاب وَمَنْ مَعِيَ من المؤمنين أَوْ رَحِمَنا بتأخير ذلك إلى أجل أو لم يعذبنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ أي فمن يمنعهم ويؤمنهم من العذاب . والمعنى أنه لا ينجيهم من ذلك أحد سواء أهلك اللّه رسوله والمؤمنين معه كما كان الكفار يتمنونه أو أمهلهم . وقيل المعنى إنا مع إيماننا بين الخوف والرجاء . فمن يجيركم مع كفركم من العذاب ، ووضع الظاهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالكفر وبيان أنه السبب في عدم نجاتهم . وتعليل نفي الإجارة به ؛ وأرأيتم بمعنى أخبروني كما ذكره بعض المفسرين وأنها إذا كانت كذلك تنصب مفعولين الأول مفرد والثاني جملة استفهامية ولا شيء منهما هنا ؛ فكأن الجملة الشرطية سدت مسد المفعولين . وقوله : فَمَنْ يُجِيرُ الخ جواب الشرط وفي تسببه على الشرط بعد ، ويمكن أن يقال الجواب محذوف تقديره ، فلا فائدة لكم في ذلك ولا نفع يعود عليكم لأنكم لا مجير لكم من عذاب اللّه . قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ أي الذي أدعوكم إلى عبادته مولى النعم كلها آمَنَّا بِهِ وحده لا نشرك به شيئا لما علمنا أن كل ما سواه إما نعمة أو منعم عليه وَعَلَيْهِ لا على غيره تَوَكَّلْنا أي فوضنا الأمور إليه عز وجل لعلمنا بأن ما عداه كائنا ما كان بمعزل من النفع والضر . فَسَتَعْلَمُونَ إذا نزل بكم العذاب مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ منا ومنكم ، وفي